hadatha background
الخريطة غير متوفرة

24/01/2017 - 26/01/2017
Toute la journée

أحداث


الدورة الرابعة والأربعون

ورقة العمل

من الحداثة إلى الحداثات

يعتبر مفهوم الحداثة، من المفاهيم التي ما تزال موضوع بحث وتساؤل، سواء من حيث مرتكزاتها أو تداعياتها في سياق تطور المجتمعات الإنسانية، أو من حيث دينامية التحولات الفكرية والاجتماعية والاقتصادية التي يعرفها العالم المعاصر بتأثير هذه الحداثة.

ولاشك في أنه كان لمختلف الحضارات كاليونانية والصينية القديمة والعربية والأوربية والأمريكية وغيرها، خلال المسار الطويل لتاريخها، بالإضافة لمختلف الأديان، نصيب من المساهمة في تقدم الإنسانية وبروز الجديد في كل حقبة زمنية. وذلك ما كان يفرز خطابا حول الجديد والقديم بين فترة تاريخية وأخرى. غير أن مفهوم الحداثة لا ينحصر في الجديد، وإنما يتعلق بمنظومة شملت الفكر والقيم والتنظيم السياسي والاجتماعي والنظرة للعالم، التي تزامنت مع «التحول الكبير» الذي حدث في عصر النهضة الأوربية، متمثلا في الانتقال من المجتمع الفلاحي الفيودالي إلى المجتمع الصناعي الرأسمالي، مع بروز نموذج فكري جديد، تعزز بفضل أفكار عصر الأنوار، ليُعلن عن تغيير في المنظور للفرد والمجتمع ككيان ينبني على وجود أفراد أحرار متساوين، مع منح القيمة المطلقة للعقل البشري القادر على التحكم في محيطه، وإقرار سيادة القانون.

وبدون الخوض في محاولة القيام بتركيب لما تراكم من إنتاج نظري وفكري حول موضوع الحداثة، يمكن اعتبارها طوراً من أطوار التاريخ الحديث في أوربا، يتميز بانقلاب اجتماعي، أثر بعمق في البنى الاجتماعية والاقتصادية والثقافية وأنماط الحياة ليس فقط على مستوى تنظيم المجتمع الغربي وإنما أيضا على مستوى علاقاته مع المجتمعات الأخرى، حينما مكنته قدراته المعرفية واكتشافاته العلمية من التقدم الصناعي، والنزوع نحو التوسع الجغرافي، لنشر حضارته بشكل متفاوت، لتشمل باقي المجتمعات التي تختلف عن مجتمعاته، ثقافيا واقتصاديا واجتماعيا. مما جعل بعض المفكرين يسائلون الحداثة بفكر ما بعد الحداثة.

غير أن الخيط الرابط في الحداثة بين ما هو اقتصادي وسياسي واجتماعي وبين ما هو قانوني وقيمي، والذي يجعل منها منظومة معيارية، لم يكن دائما محكم التواصل والانسجام بالنسبة لكل المجتمعات، بما فيها المجتمعات الغربية نفسها، اعتباراً للفجوة التي أوجدتها الحداثة بين تمثلها وبين تأويلها. كما أن الحداثة قد تتداخل مع التحديث بفعل إرادة إدخال ما هو جديد وحديث إلى ما هو تقليدي.

ومن المعلوم أن مواقف المجتمعات التي تعاني ضغوط التراث، تجاه ما فرضته تداعيات التحديث عليها أدّى في بعض الحالات إلى جعل الصراع حول الحداثة يؤثر في نخبها الثقافية والسياسية، ويجعل مواقفها تنقسم بين من يتبنى الحداثة باسم الكونية، وبين من يتبنى التقليد باسم الخصوصية الثقافية، وبين من يسعى إلى التوفيق بين الحداثة والتقليد. ولم تخل أنماط هذه التمثلات، من تأويلات مرنة، أو من صراع حاد.

ويلاحظ في كثير من المجتمعات أن الانفتاح على الحداثة إنما تم بشكل انتقائي أو بأخذ الشكل دون الجوهر. وهو ما نتج عنه من ظواهر خاصة كاحتضان التكنولوجيا دون تبني الفكر العقلاني الذي أنتجها، كما هو الشأن بالنسبة للحركات الدينية المتطرفة، التي تقبل على استعمال تكنولوجيا المعلوميات دون تبني حداثة الفكر المنتج لها. وقد تستهلك المنتوجات الصناعية العصرية مع التعصب لتراث الماضي، وللعلاقة السلطوية بين الرجل والمرأة، مما يتنافى مع قيم الحداثة في التطور والتقدم.

وقد تتعرض الحداثة للنقد أو للرفض في بعض المجتمعات النامية، لأنها تضعف مرجعيات الفرد التراثية وتصوراته حول الانتماء والهوية ومكانة الدين وقيم التراث. وهو ما يطرح المساءلة بالنسبة لهذه المجتمعات: هل يمكن الحديث عن الحداثة دون مساءلة قدرة الأفراد عن الاستفادة منها. فالفقر والتوزيع غير العادل للثروات، وانعدام التربية والتعليم، وفشو الهشاشة التي يعيش فيها عدد كبير من سكان العالم في كثير من المجتمعات النامية، تحول بين الأفراد وبين حقهم في حرية الاختيار، إذ لا خيار أمامهم إلا الانسياق للتقليد ما دامت الحداثة ليست في متناولهم، نظرا لتكلفتها المادية والاجتماعية والثقافية.

 وإذا كان للحداثة تأثير كوني، فإن تضخمها لا يخلو من مفارقة تتجلى في أنها بقدر ما حققت من تقدم للإنسانية أفرزت ظواهر ومخاطر ناجمة عن التقدم العلمي والتكنولوجي، كما يتمثل ذلك في المناولات الجينية، وفي تلوث للبيئية، وفي الاستغلال غير المعقلن للثروات الطبيعية، وصناعة الأسلحة النووية، وغيرها من الظواهر التي ما فتئت تؤرق فكر الإنسانية وضميرها الأخلاقي.

ومن أجل مساءلة ومناقشة كل هذه القضايا تنظم أكاديمية المملكة المغربية الدورة الرابعة والأربعين، حول موضوع «من الحداثة إلى الحداثات» لإبراز أوجه مفارقات الحداثة، ومناقشة القضايا التي تثيرها كمنظومة مرجعية معيارية، وما ولدته بفعل تضخمها أو تلفيقها مع التجديد أو صراعها مع التقليد والتراث بأشكال مختلفة. ومن ثم أصبحت الحداثة موضوع مساءلة عن نموذجها الأمثل، الذي يحقق الارتقاء بالأفراد والمجتمعات في سياق حضاري مُعولم، أو عن تداعياتها التي تثير الحيرة والشعور بالحاجة المتزايدة إلى الأمن واليقين في عالم محفوف بالمخاطر.

 تستند الدورة إلى المحاور التالية:

-1     الحداثة: المرجعيات النظرية والفكرية

-2    تمثلات الحداثة والتحديث

-3    الحداثة والتراث: صراع التأويلات

-4    الحداثة والفكر المغربي

-5    الحداثة والدين

-6    الحداثة والقانون والمؤسسات

-7    تداعيات الحداثة والمسألة الاجتماعية

-8    الحداثة ووضع المرأة

-9    الحداثة وإشكالية القيم

-10  الفن والإبداع وما بعد الحداثة